صادق عبد الرضا علي

22

نهج البلاغة والطب الحديث

وأما السياسة فإنه كان شديد السياسة ، خشنا في ذات اللّه . وما أقول في رجل تحبّه أهل الذّمة على تكذيبهم بالنبوة ، وتعظمه الفلاسفة على معاندتهم لأهل الملّة . أبوه أبو طالب سيد البطحاء ، وشيخ قريش ، ورئيس مكة ، ابن عمه محمد سيد الأولين والآخرين واخوه جعفر ذو الجناحين ، وزوجته سيدة نساء العالمين ، وابنيه سيّدا شباب أهل الجنة ، فأباؤه آباء رسول اللّه ، وأمهاته أمهات رسول اللّه ، وهو مسوط بلحمه ودمه ، لم يفارقه منذ خلق اللّه آدم » « 1 » . شخصية الإمام عليّ عليه السّلام شخصية إلهية عجز عن إدراكها ومعرفتها الفلاسفة والعلماء ، وقصر عن سبر غورها الباحثون والدارسون ، لذلك عندما عزمت على الدخول إلى حديقة ذاته القدسية كنت مترددا متهيبا بداية الأمر خوفا من الغرق في بحر معرفته وعظمته ، إلّا أني توكلت على اللّه ودخلت تلك الحديقة التي رعتها الألطاف الإلهية وسقتها الأنوار المحمدية وظللتها الإمامة العلوية ، فرأيت أورادا مشرقة ، وزهورا عطرة ، وغصونا محملة بالإيمان والزهد والتقوى والجهاد والتضحية والحق والعدالة وقفت بخشوع وجلال وهيبة واحترام ، مددت يدي ، اقتطفت باقة من زهورها فتراءى أمامي بعض من المعجزات الإلهية ، والنفحات المحمدية ، والشمائل الهاشمية ، والخصائص العلوية ، شممتها بشوق وقبلتها بلهفة ، وضعتها على صدري المشتاق لأتزود منها بالمعرفة والإيمان والعلم والموعظة ، وبعد أن ارتويت من عبيرها ، وتغذيت من رحيقها ، سطرتها على الورق بحروف من نور وقلب مسرور ، كي تبقى خالدة خلود الدهر ، يقرأها كل منصف ، ويطالعها كل محب للخير والعدالة .

--> ( 1 ) مقدمة شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 1 .